ابن الجوزي

6

صيد الخاطر

ويجد فيه ما افتقد من نفسه . والانسان أبدا في تبدل ، يذهب منه ( شخص ) ويولد ( شخص ) وحينما تقرأ وأنت ( شيخ ) خواطرك التي سجلتها وأنت ( شاب ) تجد شيئا غريبا عنك ، كأنك ما كنت أنت صاحبه ، وكأنه خطر على بال غيرك . ثم إنه ان كان عالما أو مفكرا ، كان من هذه الخواطر كتاب علم وأدب وفن ككتاب ابن الجوزي . - 3 - فلما عدت إلى دمشق ، فتشت عن نسخة من الكتاب - وكانت نسخة نادرة من تلك الأيام - حتى وجدتها ، فجعلت أنظر فيه دائما ، ورآه أخي ناجي ( القاضي الشرعي ) فأولع به ، ولازم مطالعته ، حتى كاد يحفظه عن ظهر قلبه ، ووضع العناوين لفصوله ، واتخذ له فهارس ، يصنع ذلك لنفسه لا يفكر في طبعه ولا في نشره . فلما رأيت ذلك ، ورأيت الكتاب جيدا جدا ، ونسخه قليلة جدا ، فكرت في نشره ، وكان في الكتاب كثير من التحريف والخطأ ، ففتشنا عن نسخ منه مخطوطة وأمدنا الصديق الدكتور صلاح الدين المنجد ( مدير معهد المخطوطات ) بها ، فاشتغل أخي ناجي بمقابلة المطبوع عليها ، وحققه ما استطاع ، وان لم يسلم من كثير من الغموض ، ومن آثار تحريف النساخ ، لأنه لم يجد نسخة مخطوطة صحيحة يعتمد عليها . وكان عملي فيه أن راجعته ، فرأيت المؤلف رحمه اللّه ، يتبع في كل خاطرة ( وحي الساعة ) كما يقولون ، يسجل ما يخطر على باله ، فيقع أحيانا في تناقض : يسوق الرأي قد ساق من قبل ضده ، ويذم شيئا كان قد وقع هو فيه ، ويأتي بآراء لا يسلّم له بها ، ولا يجوز السكوت عنها ، فكنت أعلق على ذلك بما أبيّن به الصواب الذي أعرفه ، وان كنت لا أصلح تلميذا لتلاميذه ، وأين أنا من ابن الجوزي ؟ ولكنه الواجب . والغلام ان عرف الحق في مسألة ردّ فيها على شيخ الاسلام ، وقد تلقّى أبو حنيفة علمه ( الذي قاله هو ونسيه ) من حجام في مكة ، وردّت عجوز على عمر وهو على المنبر ، فقبل منها ورجع إلى رأيها .